يا جدتي العجوز

يا جدتي العجوز

أتذكر أحساسى حين أتكىء على الأريكة فى ذلك البيت البسيط بجانب جدتى العجوز
فلا أخجل منها عندما أضجع أمامها ساندا رأسى بيدى
كما يتكىء شهريار حين تبدا فاتنته بالحديث
حينها أكون قد ودعت الحياة بكل ما فيها
لأرجع وأتذكر أيام لم أعشها...فتحكى لى أيام عمرها
فقد توقفت حياتها عن كل ما هو آت لتأرخ وتحكى كل ما هو فات
تحكى لى حكاياتها المتفرقة قاصدة بكل منها أن تعطى لى فائدة معينة
فتدعم تلك الفائدة بالعديد من المواقف والحكايات
فمثلا تحكى لى عندما كانت صغيرة وكيف كانت أسرتها
وأمها وأبوها وأخوتها والمواقف التى كانت تحدث لها بالسوق عن تسوقها
لا أتعجب أنى أسمع تلك الحكايات مرارا وتكرارا وترويها لى وكأنى 
أسمعها لأول مرة
فقد تعودت على ذلك ولكنى لا أقاطعها خشية من إحراجها
فأرى سعادتها وهى تروى بشوق وحماس

فأصبّر نفسى تارة بأختبار ذاكرتى وتارة أهتم وألاحظ تفاصيل أدق فى الحكاية

وأنسى كل ما حولى عندما أنظر فى عينها وهى تروى حياتها
وأبتسامتها التى هى دلالة على فرحتها بوجودى جانبها
فقل من زارها فقد أنتهت من مهمتها وأستلمت بكاريليوس الحياة
كى تتحول الأسرة الكبيرة إلى أسر صغيرة... ويعاد ما قد روته مرة أخرى
فهى لا تأمل فى الحياة سوى من يطرق بابها ويسأل عنها ويجلس معها
ليقطع وحدتها ويحول مللها سعادة وتشويق
وتستكمل روايتها حتى تصل إلى ظهور ذلك الرجل قوى البنيان صاحب الهيبة الذى يتقدم لخطبتها
وتسرد ما كان ينصحها به أمها وأقاربها وجيرانها عن كيفية التعامل مع ذلك الغريب
فتدخل فى عصر ما بعد الاستقلال.. استقلال عن طفولتها وأسرتها
مارة بكيد جيرنها الجدد كى يفسدون حياتها مع من يسمى جدّي
وكيف كانت تتعامل مع مكائدهم بذكاء خارق رغم سجيتها وحسن نيتها
حتى تصل لعصر ما بعد الاستقرار وأثبتت جدارتها لتحافظ على بيتها بيد من حديد
حينها أسمع تلك الأسماء التى أعرفها
اخوالى وخالاتى التاريخ واللحظة والظروف التى ولد كل منهم ولماذا سمى بهذا الأسم
وأسمع تلك الأسماء التى رحلت قبل مجيئى لتلك الحياة
فأعيش معها وأنسى حياتى التى أعتدت عليها وأعيش حياة أخرى لم أراها
وزمن ليس زمنى وأرقام وعملات لا أعرفها ومواقف وتقاليد لم أعهدها من قبل
يكون ذلك بتأثير السحر فترتخى أعصابى تماما وعادة ما ينتهى كلامها بخلودى فى النوم
وحينها أشعر بها وهى تغطّينى وتطفىء الضوء من حولي وأنا مابين الواقع والخيال
أستيقظ من نومي الجميل الذى مر وكأنه سنة حلوة ولذة خلسي
ولكنى أبكى ويبكى قلبى حين أجد الحزن فى عينها عند مغادرتى
فتقول بصوت يآئس
- أقضى اليوم معي وغادر بالصباح
فعندما أشرح لها ظروفي آسفا ... يقل سقف مطالبها
فتطلب منى الجلوس خمس دقائق
كنت أتسائل ما قيمة هذه الدقائق فأنا سأغادر سأغادر
ولم أستوعب حينها إنها تقلل من وقت وحدتها ومللها خمس دقائق
وها هى هناك الآن خلف الحدود تعلم أنى هنا
أنا لا أسمع دعواتها ولكنى أشعر بها
فقد أشتقت للرجوع والجلوس بين يديكى
وقد أشتقت لأنسى حياتى التى سرقت نفسى منى ومن أهلي وأجلس جانبك كى اسمع تلك الحكايات التى أحفظها عن ظهر قلب
فأنا قد أشتقت إليكي يا جدتي العجوز


محمد صبري