سما2

سمـــــا 2
بنوتة تكتب خطابها للعالم الأخر

لعل أحد يسمعنى... يرانى...يشعر بى
كتب على الزمان الحياة دون مصدر للحنان
فذهبت أمى قبل أن أراها
وقبل أن تمسك يدى يداها
وقبل أن تضمنى إليها 
ولعل الله منحنى أعظم أب فى الوجود
يخاف على من رحيق الزهور والورود
حتى أصبحت وردة فى بستان الجمال
الكل يتمنى نظرة فى دلال 
ولكن لا يعلمون أن الوردة دون رائحة
فلم تتذوق رحيق الحنان ولم تستنشق أنغامه
فعل أبى كل ما لديه من موهبة
ولكنه لم يستطع تعويضى عن حنان أمى
أمى...الكلمة التى أنطقها ولا أعلم معناها
الكلمة التى لا أجد من أناديه بها
ولكن... أتذكر
هناك منذ زمن بعيد...لا أنسى تلك اللحظات
فهى التى وجدت فيها ما كان ينقصنى
كنت طفلة ولكنى لم أكن كأى طفلة
الكل حولى يلعبون ويلهون
ولكن كنت طوال الوقت أبحث عن شىء لا أعلمه
حتى وجدته فى عيون 
عيون شخص يجلس بجانبى
لست أعلم من هو
ولكنه كانت عيونه تعطينى شىء 
تبعث إلى رسائل
لم أرى نظراته بل كنت أشعر بها
كنت أبتسم فى دلال وأنظر أمامى
وكنت أفاجئه بنظرة جريئة فى عينه..فيضطرب ويصرف نظره عنى
ويبتسم كلانا
نعم...نسيت كل ما كنت أعانى منه
نسيت كل ما كنت أبحث عنه
وعلمت معنى السعادة والحنان
عدت للبيت وتحدثت مع أبى
فسألته 
أيه الحاجة يا بابا اللى تقدر تعوضنا عن حاجة أتحرمنا منها؟
رد على بكلمة واحدة
الحب
فلم أنطق ولا أبدى أى رد فعل 
سوى صمت رهيب 
وأخذ عقلى فى التفكير
يفكر فى ماذا؟... لا أعلم
وكل دقيقة تمر على وأنا أرسم ملامحه أمامى
أتذكر نظراته حركاته
ولكنه لما لا يتكلم؟
فذهبت اليوم التالى وقررت أن أجعله يتكلم
قلبى يضطرب بشكل رهيب
أنفاسى تهرب منى
ولكنى تذكرت كلمات أبى
وأخذت نفسا عميقا وذهبت أليه وبكل ثقة
وأبتسامة خفيفة لعله يفهم
أسأله عن شىء ما
كنت أراقب نظراته وحراكته
وجدته يبتسم بكل عجب لما يحدث ولكنى كنت على يقين أنه يفهم مقصدى
كان طفلا ولكنه ذو شخصية خيالية
نظر إلى بمزيج من اللطف والذكاء
وسألنى 
أنتى أسمك أيه؟
سمعت كلماته 
وقلبى يكاد يطير
أعددت وقفتى ونظراتى بكل هدوء
ونظرت فى عينيه وقلت له بثقة
سمـــــــا
فوجدته يقلدنى ويقول
سمــــــــا
دون أن يغلق فمه وكأنه يترنم بنغمها ويتأمل حروفها
أخذت أدواتى وذهبت 
وألتفيت إليه بنظرة وجدته مازال ينظر إلى
وكأنما يريد أن يقول أراكى غدا
لم أمتلك جسدا وروحا كى يسيـع تلك السعادة التى أشعر بها
فلم يكن كوكب الأرض كوكبنا
بل الفضاء بأكمله والمجرات والسمــــــاء بكل ما فيها
وكأننى أسبح وأنطلق بكل طاقتى
طاقتى التى لا ألاحظها منذ ولادتى
أخذت قلما وورقة بيضاء 
كى أرسم تلك الملامح التى وجدت فيها أمى التى لم أراها
ووجدت فيها الحنان
ووجدت فيها الحب الذى لا أعلم معاناه حتى الآن
وكتبت تحتها أسمى
اليوم التالى كنت أعلم أنه سيأتى مبكرا ليرانى
فهذا أحساسى الفريد 
فكنت أنظر إليه منذ دخوله المدرسة
أرى ملامحه الجادة
ويظهر عليه أنه يبحث عن شىء
أردت أن أظل هكذا أراقبه من بعيد وهو يبحث عنى
كى أروى ظمأى من تلك المشاعر
وكى يشعر قلبى أن أحد هناك فى تلك الحياة يبحث عنى
يريدنى يهتم بأمرى
وحينما أشفقت عليه وأحسست أنى أنانية فى مشاعرى
ناديت عليه وذهبت إليه فى هروله
لأنطق بكل قوة لدى كلمة تصعب على نطقها
كنت دائما أتعلم منه أن المشاعر لم تكن كلمات
فدائما يلتزم الصمت ولكن قلبه كان دائما يضخ بالحنان والأمان
مواقف كثيرة أرى أنه هادىء الشعور من ردود فعله
ولكنه كان يعلمنى أن الصمت هو أعظم رد إن كان الشىء أعظم من الكلام
رأيت فيه كل شىء
رأيت فيه جمالى ورأيت فيه أنفاسى
رأيت فيه حنانى رأيت فيه حياتى
رأيت فيه الشجاعة والمروءة رأيت فيه الذكاء 
رأيت فيه البساطة ورأيت فيه العطاء
عشت أيامى بلا حزن ولا دمع
عشت أيامى بكل سعادة وحنان
فأشفقت على كل من هو مثلى ولا يشعر بهذا الشعور الفتان
وفى يوم من الأيام وجدته يبكى 
وجدته وكأنى وجدت قلبى يبكى
فكيف يبكى قلبى ولا تبكى عليه عينى
ودون أن أشعر ولا أعلم لماذا
جلست بجانبه أبكى وبيدى أطيب خاطره
وعندما رأى دموعى تسقط منى
مسح وجهه وبدأ فى رسم بسمة على وجهى 
ويردد بعض الكلمات ليضحكنى
لم أمتلك القدرة على أخفاء ضحكة نابعة من قلبى
قلبى الذى قبل قليل كان يبكى
شعرت بشىء وكأن هاتف يكلمنى
فبدأت أخاف من أحساسى الذى ينبأنى
لم يلحظ على شىء فمهما كان ذكائه
ليس عنده القدرة ليفهمنى
وخشيت أن أحكى له فيخاف على وخوفه يقلقنى
ذهبت للبيت وكأن فى الجو سحاب لا أرى منه صفاء السماء
أمشى وكأنى فى إنتظار شىء سيحدث
قابلنى أبى محض مصدافة
وقال لي إننا سننقل سكننا ليكون بقرابة من عمله
وذلك يضطرنا لنقلى من المدرسة لمدرسة أقرب لسكننا الجديد
سمعت تلك الكلمات
وعلمت أن هذا هو الشىء التى كنت أنتظره يحدث
ولم أشعر بشىء حتى رأيت أبى بجانبى فى البيت
وهو يقول لى 
سمـــا حبيبتى أنا أفتكرتك هتفرحى بالمكان الجديد والمدرسة الجديدة
ولم أملك عقلا كى أفكر فى الأمر كى أصرخ بأعلى طاقتى
مر يوم تلو الأخر
وأنا أتخيله أمامى
ماذا يفعل الآن ...كيف يعيش وكيف يشعر
لعلى علمت مصيرى لكنه لا يعلم ماذا حدث
وبعد بضعة أيام وتحسنت صحتى
طلبت من أبى زيارة أخيرة للمدرسة
فذهبت فى نهاية اليوم الدراسى وأرى زملائى جميعهم دونه
أنظر هنا وهناك..وأبحث عنه لعلى أراه
فلم أجده
فذهبت للفصل لعله تأخر فى الإنصراف
أصعد السلم بكل هدوء
وأخطو خطواتى بكل هدوء
أنظر إلى الأرض ولا أدرى فيما أفكر
حتى وجدته
وجدته ينظر لقائمة الأسماء وهو يبكى
وجدته يقول
أين أنتى يا سمــــــا
فلم أستطع تحمل ذلك المشهد
فتركت له مدونتى التى أكتب فيها حياتى
وذهبت كي لا يسمع بكائى


وكانت تكتب صفحاتها الأخيرة بدموع عينها
وقد مزجت دموعها بدموعى وأنا أقرأ ما تركته لى 
يا ليتنى أنتبهت ولو برهة أنظر فى عينها
ذهبت سما وتركت لى وريقات
وريقات تكتبها بأصابع يد رقيقة حرمت من الحنان
ولكن تشهد على السماء
أنى لن أنساكى يا سمـــــا
..............

M.Sabry